نعم كانت هناك عدّة خيارات ولكن بن علي اختار الانتقال بالحزب الواحد المنفرد بالحكم إلى حزب للأغلبية
ضعف أحزاب المعارضة وعدم قدرتها على طرح البدائل لم يُيسر مهمّة تجسيد التعددية على أرض الواقع
التعددية لم تعد مجرد رغبة سياسية بل أصبحت خيارا استراتيجيا وبن علي أدرك بصفة مبكّرة أنّ عهد الحزب الواحد ولّى وانقضى
السياسيّة - وثائق ودراسات :خصّص "منتدى الفكر السياسي" أهمّ فضاء للحوار والنقاش في التجمّع الدستوري الديمقراطي أحد حلقاته (ماي 2007) لاستعراض المضامين المهمّة الواردة في كتاب " من الحزب الواحد إلى حزب الأغلبيّة " الّذي شجّع الرئيس زين العابدين بن علي على تأليفه وأذن في فترة لاحقة بنشره على نطاق واسع وترجمته إلى اللّغتين الفرنسيّة والأنقليزيّة ، علما وأنّ الكتاب قدّم له الأستاذ عبد العزيز بن ضياء الوزير المستشار لدى رئيس الجمهوريّة والناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهوريّة, وهذه المعطيات كفيلة بإعطاء قيمة مهمّة ومركزيّة لهذا الكتاب الّذي ما يزال موضوع الساعة داخل مختلف أروقة وهياكل الحزب الحاكم وسائر الفاعلين السياسيّين في البلاد والمتابعين للشأن السياسي التونسي في الخارج برغم مرور أكثر من 3 سنوات على إصداره.وبالنظر لقيمة المعطيات والمعلومات الواردة في هذه المحاضرة تنشر "السياسيّة" أهمّ مضامينها:
ويقول مؤلّف الكتاب الأستاذ زهير المظفّر عضو اللجنة المركزيّة للتجمّع والوزير المعتمد لدى الوزير الأوّل المكلّف بالوظيفة العموميّة والتنمية الإداريّة أنّ الكتاب يُعتبر الكتاب الوحيد الّذي عالج انتظام مسيرة الحزب الحاكم في تونس منذ التأسيس إلى مرحلة التغيير مع الرئيس بن علي محاولا إيجاد الروابط بين مختلف مراحله التاريخيّة والسياسيّة مستبطنا خفايا عقليّة الحزب الواحد ومتطلّبات التحوّل نحو مجتمع تعدّدي وديمقراطي التجمّع أحد أطرافه. يقول المظفّر:"ومما كان يحز في نفسي كمسؤول لسنوات عديدة عن الدراسات والتكوين في التجمع أنه لا يوجد كتاب واحد حول التجمع يقع تقديمه للضيوف خاصة في الندوات الدولية".
يشير الأستاذ زهير المظفّر إلى أنّ فكرة وضع كتاب حول الحزب قد راودته منذ 1989 عندما وقع تعيينه أمينا قارّا مكلفا بالدراسات والتكوين ثمّ مديرا لمركز الدراسات والتكوين وأضاف أنّ الحزب رغم أهمية دوره في الحركة الوطنية وفي بناء الدولة الحديثة واضطلاعه بأمانة التغيير والإصلاح يفتقر إلى كتاب شامل يعرّف بتاريخه وببرامجه وهيكلته رغم ما يزخر به من كفاءات في مختلف الاختصاصات. وأضاف أنّ فكرة وضع هذا الكتاب ترسّخت لديه عندما شارك في مؤتمر الحزب الاشتراكي الإسباني سنة 1990 إذ لاحظ في بهو المؤتمر عشرات الكتب تعرّف بهذا الحزب رغم أنه ليس في عراقة التجمع. وكذلك عندما شارك في مؤتمر الحزب الاشتراكي السويدي سنة 1991 ولاحظ كثرة الكتب حول هذا الحزب، وهو الأمر الّذي حدا به حين وقع تعيينه مديرا عاما لمعهد الدراسات الإستراتيجية إلى العزم على وضع كتاب حول التجمع الدستوري الديمقراطي واجدا كلّ الدعم من الرئيس زين العابدين بن علي.
"من الحزب الواحد إلى حزب الأغلبية"
وأوضح الأستاذ المظفّر أنّ الكتاب كان يجب أن يقوم على طرح إشكالية أي التركيز على أهمّ بعد ميّز مسيرة الحزب بعد التحوّل وهو انتقاله من حزب واحد ينفرد بالحكم إلى حزب أغلبية، إلى جانب فهم التحوّلات التي عاشها الحزب منذ التغيير والتي جعلت من تونس تشقّ طريقها إلى التّعددية بثبات بعيدا عن كل تعثّر.
وقال السيّد المظفّر في التدليل على الإرادة الّتي كانت عند الرئيس بن علي في الإنقاذ وتحويل الحزب الواحد الوهن إلى قوّة ذات أغلبيّة تخدم المجتمع وأهداف التحوّل ولا ترفض التعدّد في المشهد السياسي الوطني :"لقد أدرك الرئيس بن علي مبكرا أن الانتقال من الحزب الواحد إلى نظام تعدّد الأحزاب لا يمكن أن ينجح إلا في ظل وجود حزب أغلبية قوي يضمن الاستقرار السياسي ويقود نحو التعدّدية. لذلك راهن على تجديد الحزب الاشتراكي الدستوري فأنقذه من الوهن الذي تردّى فيه وجعل منه تجمعا دستوريا ديمقراطيا متسعا لكل الفئات الاجتماعية متفتحا على الكفاءات والنخب والشباب والمرأة".
التّحوّل وإنقاذ الحزب
ويرى المظفّر أنّ عملية إنقاذ الحزب لم تكن يسيرة أو مجرد تغيير تسمية بل كانت عملية صعبة وجريئة وعميقة. ذلك أن تحول السابع من نوفمبر اقترن في أذهان البعض بانتهاء دور الحزب الاشتراكي الدستوري الذي حُمّل مسؤولية تردي الأوضاع في البلاد وما انجر عن ذلك من ضعف الدولة نتيجة انفراده بالحكم.
وفي تناوله بالتحليل لمراهنة الرئيس بن علي على الحزب أوضح ألأستاذ المظفّر أنّ مختلف الخيارات كانت مطروحة في بداية التغيير والتي كانت من بينها ما تدعو إلى إحداث حزب جديد حزب الرئيس. وأبرز بالخصوص كيف أنّ هذه الأفكار كان فيها ما يغري بالنسبة إلى رئيس جديد وإلى نظام جديد بصدد تركيز مشروعيته السياسية إلا أن الرئيس بن علي بفضل بعد نظره وحكمته اتخذ أهم قرار بعد التغيير بعيدا عن العواطف وبعيدا عن العوامل الظرفية وهو قرار التمسك بالحزب الاشتراكي الدستوري مراهنا على تصحيح مساره وعلى تخليصه من عقلية الحزب الواحد وتجديد رسالته وتطوير خطابه وتعصير أساليب عمله حتى يكون في مستوى الرسالة التي يريد أن يأتمنه عليها.
ويؤكّد المظفّر أنّ الرئيس بن علي كان مدركا بحسّه الوطني المرهف وبعد نظره أنّ حزبا جديدا حزب الرئيس أو حزب التغيير سيكون مقتصرا على النخبة لكن هذه النخبة الجديدة رغم أهميتها لن تكون قادرة وحدها على تحقيق السند الشعبي بالقدر والكيف المطلوبين لإنجاز التغيير. فتونس الأعماق في حاجة إلى حزب جماهيري قادر على تعبئة الطاقات وهو ما لا يمكن أن يوفره حزب كوادر يعتمد على النخبة مهما كان شعاره. لذلك رفض فكرة بعث حزب جديد لإدراكه العميق بأنّ قوة الأحزاب تكمن في عراقتها وتاريخها وتجذّرها في المجتمع.
ويستعرض المظفّر بعد ذلك أبعاد تغيير تسمية الحزب من "الحزب الاشتراكي الدستوري" إلى" التجمع الدستوري الديمقراطي" التي قال فيها الرئيس بن علي : "وها نحن اليوم نفتتح عهدا جديدا في تاريخ حزبنا يؤهله لاحتضان كل القوى الحية وأصحاب العزائم الصادقة للعمل بصفوفه وفق التوجهات الجديدة. وهنا بالذات تبرز الأبعاد الحقيقية لقرار اللجنة المركزية بتغيير اسم الحزب إلى تجمع دستوري ديمقراطي، يكون مفتوحا لكل المواطنين والمواطنات الراغبين في الانضمام إلى هياكله للعمل على صعيد واحد وفي نطاق المساواة من أجل مبادئ وبرامج وتوجهات سديدة ووفق أساليب عمل واضحة، تقرها الأغلبية بعد التشاور والحوار فتصبح ملزمة للجميع".
ويُبرز المظفّر في هذا الصدد أنّ الحفاظ على صفة الدستوري في التسمية الجديدة المعتمدة تتضمّن ربط الماضي بالحاضر باعتبار أنّ الحزب احتفظ بهذه الصفة منذ انبعاثه سنة 1920 حيث كان يسمّى"الحزب الحرّ الدستوري" ثمّ أصبح يعرف "بالحزب الحرّ الدستوري الجديد" منذ مؤتمر قصر هلال في 2 مارس 1934 وحافظ على هذه التّسمية في أكتوبر 1964.
أمّا في ما يتعلّق بمصالحة الحزب مع تاريخه، فقد تناول المظفّر بالتحليل ربط تحوّل السّابع من نوفمبر بجذور الحزب وهي حركة الإصلاح وحركة الشّباب التّونسي، واستعرض بإطناب تاريخ تأسيس الحزب وسرّ اعتماد الدستور في تسميته. مبرزا كيف أنّ تحوّل السابع من نوفمبر صحّح تاريخ الحزب بل تجاوز ذلك إلى ردّ الاعتبار إلى كل من ساهم في تاريخ الحركة الوطنية. فمع الإقرار بالدّور المتميز للزعيم الحبيب بورقيبة في الحركة الوطنية تمت إعادة الاعتبار لمؤسس الحزب الشيخ عبد العزيز الثعالبي وللكاتب العام للحزب صالح بن يوسف ولمختلف رجالات الحركة الوطنية.
كما تحدّث الأستاذ زهير المظفّر عن تجديد الخطاب السياسي للتجمع الّذي شكّل أهمّ بعد في عملية الإنقاذ التي شملته. فمن حزب منقطع عن تطلعات النخبة والشباب إلى حزب حامل لمشروع سياسي جديد. وأشار المحاضر إلى أنّ أبرز مفاتيح تجديد الخطاب السياسي للتجمّع هي : الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات وضمان حقوق الإنسان والمجتمع المدني والتّضامن الوطني.
التّجمع ومسؤولية الحكم
يرى الأستاذ زهير المظفّر أنّ التجمّع يمتلك تجربة طويلة تكاد تكون فريدة في البلدان النامية في ممارسة الحكم إذ أنها تمتد من عهد الحكومات التفاوضية قبل الاستقلال التي اتسمت بالاتحاد الوطني مرورا بالتعددية وحكومة الحزب الواحد بعد الاستقلال ثم من نظام الحزب الواحد إلى حزب الأغلبية بعد التّحول. واستعرض التعددية الحزبية في الحكم قبل الاستقلال وكيف استطاع الحزب الحر الدستوري التونسي أن يفرض وجوده على الساحة السياسية كأهم حزب وطني في البلاد مقارنة بأحزاب أخرى كالحزب الشيوعي والحزب الوطني الإصلاحي. ثمّ تناول المحاضر المرور من التعددية إلى الحزب الواحد الفعلي بعد الاستقلال خاصة بعد تحجير الحزب الشيوعي وتخلي الحزب عن نظام الجبهة القومية وفشل محاولات تجسيم التعددية في انتخابات 1981 و1986.
وقال المظفّر أنّ التّجمع قطع مع عقلية الحزب الواحد منذ مؤتمر الإنقاذ المنعقد أيام 29 و30 و31 جويلية 1988، و أنّ التعددية الحزبية لم تعد مجرد رغبة سياسية بل أصبحت خيارا استراتيجيا إدراكا من رئيس التجمع أنّ عهد الحزب الواحد ولّى وانقضى وأنّ ما بلغه الشعب التونسي من نضج يقتضي السير بالبلاد في النهج الديمقراطي التعدّدي الذي بنى عليه السابع من نوفمبر مشروعية التحوّل وشرعية الحكم.
ويرى المحاضر أنّه ورغم أن البعض أبدى تخوفه في بداية التغيير من أن عقلية الحزب الواحد التي طبعت الحزب الاشتراكي الدستوري على امتداد أكثر من ثلاثة عقود لا يمكنها أن تقبل بسهولة العمل في مناخ ديمقراطي تعددي، فإن التجمع تفاعل مع المنظومة الجديدة للتغيير ونجح بدفع من الرئيس بن علي في القطع مع عقلية الحزب الواحد.ولعلّ ما ميز هذه التجربة بالخصوص هو التدرج بالتعددية بعيدا عن الهزات والانتكاسات كما حصل في عديد الدول التي تخلت عن الحزب الواحد فانقلبت فيها التعددية إلى فوضى حزبية. وقد نجح التجمع في التدرج من نظام الحزب الواحد إلى نظام حزب الأغلبية بأن جعل من الخيار الديمقراطي خيارا لا رجعة فيه وساند كلّ مبادرات رئيس الدولة في تكريس التعددية، وساهم في وضع الميثاق الوطني وشارك في المجلس الأعلى للميثاق الوطني ووافق بالخصوص على تعديل نظام الاقتراع لتمكين أحزاب المعارضة من الدخول إلى الهيئات المنتخبة والحال أن الأحزاب السياسية عند وصولها إلى الحكم تعدّل أنظمة الاقتراع لفائدتها من أجل تدعيم مكانتها في الهيئات المنتخبة وهو ما حصل مع الحزب الاشتراكي الفرنسي عندما تحصل على الأغلبية في الانتخابات التشريعية وكذلك حزب التّجمع من أجل الجمهورية عندما استعاد الأغلبية في البرلمان.
ولم يتردد مناضلو التجمع ومناضلاته في مساندة مبادرة رئيس الجمهورية سواء كان ذلك فيما يتعلق باعتماد نظام اقتراع جديد بالنسبة للانتخابات التشريعية أو موافقة التجمع على اعتماد نظام النسبية المعدلة في الانتخابات البلدية وكذلك موافقة التجمع على التعديلات الدستورية التي مكنت المعارضة من تقديم مرشحين للانتخابات الرئاسية.
الدّولة والحزب
وفي تناوله لموضوع الفصل بين الدّولة والحزب يُبرز صاحب الكتاب بالخصوص كيف أنه وقع الفصل بين المسؤولية الحكومية وإدارة الحزب، فالأمين العام للتجمع لم يعد عضوا بالحكومة وبذلك وقع فك الارتباط العضوي بين الحكومة والتجمع الدستوري الديمقراطي في مستوى التسيير المباشر للحزب والانتماء للحكومة. كما وقع الفصل بين العضوية في اللجنة المركزية والتعيين في الحكومة حيث كان كافة أعضاء الحكومة ينتمون إلى اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الدستوري فكل شخص يقع تعيينه وزيرا أو كاتب دولة يتم تعيينه آليا عضوا باللجنة المركزية.
كما وقع الفصل بين العضوية في الديوان السياسي ووزارات السيادة ففي السابق كان وزراء الداخلية والخارجية والدفاع والعدل أعضاء في الديوان السياسي للحزب فكلّ عضوا بالحكومة يعين وزيرا للسيادة كان يلحق مباشرة بالديوان السياسي للحزب أمّا اليوم فبعض وزراء السيادة الأعضاء باللجنة المركزية لم يقع تعيينهم أعضاء بالديوان السياسي للتجمع.
كما وقع الفصل بين العضوية في اللجنة المركزية وخطة الوالي إذ من المعلوم أن المجلس الملي للحزب المنعقد أيام 2 و3 و4 مارس 1963 قرر إسناد رئاسة لجنة التنسيق إلى الوالي وتم تزكية ذلك في مؤتمر المصير المنعقد في بنزرت في أكتوبر 1964 فكلّ وال جديد يصبح مباشرة عضوا باللجنة المركزية.
وقد وضع النظام الداخلي للتجمع الدستوري الديمقراطي حدا لهذا الخلط بأن فصل بين المسؤوليات الحزبية والمسؤوليات الإدارية في الجهة. بل أكثر من ذلك فإن كل عضو باللجنة المركزية يعين واليا يقع تعليق عضويته باللجنة المركزية إلى أن تنتهي مهامه في الولاية وذلك حتى يقع تجنب الخلط بين المسؤوليات الحزبية والمسؤوليات الإدارية.
وأشار الأستاذ المظفّر إلى عملية التدرج من الحزب الواحد إلى حزب الأغلبية، وبيّن أن ضعف أحزاب المعارضة وعدم قدرتها على طرح البدائل لم ييسر مهمة القيادة الجديدة في تجسيد التعددية على أرض الواقع كما أن الحسابات الحزبية الضيقة لم تمكن من تجسيد التعددية في الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها التي جرت في 2 أفريل 1989 وهو ما حدا بالرئيس بن علي إلى تعديل المجلة الانتخابية بما مكن من تجسيم التعددية لأول مرة في تاريخ البلاد في الانتخابات التشريعية التي جرت في 20 مارس 1994 بحصولها على 19 مقعدا موزعة على أربعة أحزاب معارضة وقد أثبتت التجربة البرلمانية التعددية الأولى نجاح نواب التجمع ونواب المعارضة في إقامة حوار ديمقراطي في مجلس النواب وتغيرت بذلك صورة مجلس النواب لدى الرأي العام كما أصبحت المداولات محل اهتمام الصحافة. وتدعمت التعددية في الانتخابات التشريعية التي جرت في 24 أكتوبر 1999 بحصول المعارضة على 34 مقعدا موزعة على خمسة أحزاب. كما دخلت المعارضة المجالس البلدية وتحصلت في انتخابات 28 ماي 2000 على 243 مقعدا.
الحزب الحاكم والمعارضة
وفي حديثه عن مستقبل التجمع وكيفية محافظته على دوره الريادي أبرز الأستاذ المظفّر أنّ محافظة التجمع على هذا الموقع في المستقبل يتطلب منه تطوير خمس قدرات هامة :
1. القدرة على التجدد : إن قوة التجمع في المستقبل، مثلما كان في الماضي، سترتبط أساسا بقدرته على تجديد برامجه وخطابه وأساليب عمله وفقا للتطورات التي يعيشها المجتمع التونسي والتحولات المتسارعة على الساحة الدولية، وبدون ذلك لن يتمكن التجمع من تجسيم طموحات الشعب. والقدرة على التجدد ترتبط بقدرته على استشراف المستقبل وتوقع الأحداث واستباق تأثيرها.
2. القدرة على النقد الذاتي: إن قوة التجمع سترتبط مستقبلا بقدرته على تقييم منجزاته ومراجعة خياراته وابتعاده عن تضخيمها. لذلك، فإن مؤتمرات التجمع التي تنعقد كل خمس سوات يجب أن تكون فرصة للتقييم والنقد الذاتي والتصويب والابتكار والتجديد.
3. القدرة على مزيد تفعيل دور النخب والشباب : إن وجود نخبة في أي حزب يقتضي تمكينها من هامش كبير من حرية الفكر والتعبير داخل الفضاء الذي تنشط فيه. فالنخبة لها رؤاها ولها تصوراتها وقناعاتها، ولا يمكن لها أن تكون فاعلة إلا إذا وجدت الإطار الذي تستطيع فيه ممارسة حرية التعبير في شكلها الراقي. كما أن الشباب لا يُقبل على الحزب إلا إذا وجد خطابا سياسيا مقنعا متجاوبا مع طموحاته ومتفاعلا مع تطلعاته في المستقبل.
4. القدرة على تطوير الديمقراطية المحلية : إن المستقبل في جميع بلدان العالم هو للجهات، ومحك الديمقراطية الحقيقية هو المجالس المحلية والجهوية لأن المواطن في جميع الدول يحكم على النظام من خلال صورة المؤسسات القريبة منه كالبلديات والمجالس المحلية. والتجمع مدعو إلى اعتبار هذا التطور في سياساته، وهو ما يقتضي منه مستقبلا تعزيز وجود الكفاءات في صلب هياكله القاعدية.
5. القدرة على أن يكون قدوة للأحزاب : إن التجمع، بحكم تجربته وحجمه وتاريخه واضطلاعه بأعباء الحكم، مدعو إلى أن يكون قدوة للأحزاب، وقاطرة نحو الأفضل، وهو ما يفرض على مناضليه التحلي باستمرار بقيم المواطنة والتضحية والالتزام بالمبادئ السامية.
إن تنمية هذه القدرات ليست عسيرة على حزب وطني جماهيري في حجم التجمع الدستوري الديمقراطي إذ بقدر ما تنمو فيه هذه القدرات بقدر ما يستطيع كسب رهان المستقبل.
وينتهي الأستاذ المظفّر إلى إبراز مركزيّة ومحوريّة استيعاب وهضم حقيقة أنّ التجمع الذي قطع مع عقلية الحزب الواحد والذي جعل من الديمقراطية خيارا لا رجعة فيه، يجب أن يعتبر دائما مثلما أكد ذلك سيادة الرئيس زين العابدين بن علي في عديد المناسبات أن قوة الحزب في قوة المعارضة إذ أن التنمية السياسية مثل التنمية الاقتصادية لا تقوى ويشتد عودها إلا في ظل المنافسة النزيهة والمجتمع الحر، هذا المجتمع الذي جعل منه الرئيس بن علي خياره للمستقبل.