siassia
t
الاثنين 6 سبتمبر 2010

استمع إلى النشيد الوطني التونسي

الجمعية التونسية للأنترنات ATIM

رائدة في العمل الجمعياتي في تونس

السياسية في بريدك الالكتروني



خدمة RSS

توقيت

Tunis

البحث في السياسيّة

استطلاع رأي

ما تقييمك لتفاعل الإعلام التونسي مع مشاغل الناس والمواطنين؟
 

آخر المنشورات على الموقع

يتصفح السياسية الآن

حاليا يتواجد 38 زوار  على الموقع

بوابة السياسة في تونس

مواقع الأحزاب السياسيّة

السنة الوطنية لمكافحة التدخين

المنذر ثابت يُحاضر في المغرب حول العلمانيّة واللائكيّة وفق الرؤية التونسيّة طباعة
أحداث سياسيّة - ندوات
الكاتب السياسيّة   
الخميس, 13 نوفمبر 2008 23:36

ثابت : "العلمانية في تونس البورقيبية اتّخذت شكلا براغماتيا"

  شارك السيد منذر ثابت الأمين العام للحزب الاجتماعي التحرري في فعاليات اللقاء الأول للأحزاب الليبرالية لدول المغرب العربي تحت شعار" نحو بناء توجه ليبرالي مغاربي حظوظ و تحديات التعاون بين القوى الليبرالية المغاربية " الّذي إلتأم بمدينة مرّاكش المغربيّة يومي 22 و23 نوفمبر 2008 . وبالمناسبة ألقى ثابت محاضرة حول:"الفصل بين الدين و السياسة: العلمانية، الحرية الدينية...أية علاقة بين الليبرالية والإسلام في بلدان المغرب العربي"، ونظرا لقيمة المحاضرة فكريّا وسياسيّا تنشرها "السياسيّة" كاملة ،علما وأنّ الباب مفتوح لكلّ الراغبين في إثراء وجدل مختلف النقاط والمحاور الّتي تمّ التطرّق إليها عبر مراسلتنا على العنوان الإلكتروني info @assyassyia-tn.com

 

وفي ما يلي النصّ الكامل لمحاضرة ثابت:

 

 

اللائكية وفق الرؤية التونسية

تبرز  المباحث القاموسية لمسألة العلمانية تداخلا بين هذا المفهوم ومفهوم اللائكية حتى وإن اجتهدت بعض التحاليل في التفريق بينهما.

فإن الدلالات تتشابك بطريقة تجعل معاني التنوير و الحداثة مرادفة لحيادية الدولة تجاه المعتقدات و المقدسات المشكلة لهوية الأفراد و المجموعات داخل المجتمع المدني، فلا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن الحداثة السياسية في غياب الفصل بين الدين و السياسة، و يبدو مصير اللائكية غير مستقر بحيث يخضع لمحددات الواقع السياسي و العملي أكثر مما ينتمي إلى سجلات النظرية المجردة والثابتة.

من ذلك أن عودة الجدل حول اللائكية في فرنسا تحت ولاية جاك شيراك 1995-2007 دليل على أن قانون 1905 لم يكن كافيا لضمان استقرار هذا المكسب الذي عد ركنا أساسيا من أركان الجمهورية حيث أفرزت حركة الهجرة و دخول عناصر ثقافية جديدة وضعا غير مسبوق تفاقم مع تصاعد تأثير التيارات الاسلامية حيث وضعت نظرية حيادية مؤسسات الدولة على المحك خاصة في مجال التعليم الذي يعد ركنا أساسيا من أركان النظام العلماني، فالعلمانية في منشئها الغربي كانت أولا و قبل كل شيء عملية فك الارتباط بين الدنيوي و المقدس من خلال إقرار بالذات الانسانية كمصدر معرفة و تشريع.

  في هذا السياق يتنزل النص الشهير لايمانويل كانط تحت عنوان " ما التنوير؟" حيث يدعو الى استعمال العقل الخاص و الإطاحة بأشكال الوصاية المفروضة على الفرد و يعتبر أن سلطة النقد التي تميز العقل هي السلطة الوحيدة التي تمنح الشرعية لأية معرفة أو ممارسة بل إن كانط يؤكد في ذات السياق على أن التنوير مرور من حالة الدونية و الخضوع الى حالة الرشد التي تجسدها الخروج عن التسليم بالأفكار و القيم دون امتحان نقدي لها هذا علما و أن ديكارت كان قد جعل من الشك منهج بحث يمكن الذات الفردية من إعادة اكتشاف الحقائق القديمة و تحقيق فتوحات معرفية جديدة.

و الملاحظ في هذا الصدد أن الحداثة مع ديكارت كانت قطيعة معلنة مع نظام التعليم كما كانت تمارسه الكنيسة خلال العصر الوسيط.

 في هذا الإطار يتنزل نقد ديكارت لنظام التعليم في مدرسة لافلاش: نظام وصفه ديكارت بكونه لا يصلح إلا لعرض المعارف القديمة.

ومن المفيد التذكير بأن الاكليروس في الغرب يتوفرون على مواصفات الطبقة الاجتماعية المحورية داخل البنية الاجتماعية والسياسية للقرون الوسطى.

فالمؤسسة الدينية تحتكر وظيفة التشريع و القضاء والمعرفة إنتاجا ومراقبة (محاكم التفتيش).

بهذا المعنى كانت الحداثة إعادة تأسيس لعلاقة الإنسان بالميتافيزيقيا بذاته بالآخر وبالطبيعة و يمكن النظر إلى هذه الواقعة الغربية ذات البعد الكوني على حد عبارة Max Weber انطلاقا من أربع إحداثيات:

1-   الاحداثية الاقتصادية-الاجتماعية : عبر تشكل البرجوازية الماركنتيلية وظهور المانيفاكتورا إلى حدود الثورة الصناعية خلال القرن التاسع عشر.

2-   حركة الإصلاح الديني مع لوثر وكالفن و إلغاء فكرة الوساطة بين الله والمؤمنين و إخراج العمل من معناه السلبي لتنزيله ضمن قيم إيجابية تحقق الأغراض الإلاهية.

3-   التحولات الفلسفية و العلمية التي قطعت مع العالم القديم و أفرزت فيزياء ميكانيكية تقدم الطبيعة كإوالية مستقلة عن كل تدخل ميتافيزيقي.

4-   التحولات السياسية التي جسدتها الثورة الفرنسية من خلال إعلان حقوق الإنسان و المواطن و إعلان السيادة الشعبية كتغيير صريح عن نهاية التحالف بين الاكليروس و الأرستقراطية.

  وفي كل الحالات فإن قيم الحداثة لم تنتقل الى العالم العربي الا على شاكلة صدمة قوى متعارضة كانت الواقعة الاستعمارية شكلها السياسي و الثقافي الأكثر دراماتيكية.

  فحملة نابليون على مصر سنة 1798  و التغلغل الاستعماري في شمال إفريقيا  خلال القرن التاسع عشر مثلت المفاصل الأساسية للتاريخ السياسي العربي المعاصر.

   واللافت في هذه الحالة أن أوروبا العلمانية باقتصادها الرأسمالي المتوسع ونمطيتها الإمبراطورية الحربية لم تكن مستعدة لتقديم تنازلات لحضارة أدركت الوهن في دورتها التاريخية.

  لذلك كانت محاولات التحديث في فكر النهضة لدى الأفغاني و عبده و الطهطاوي و الكواكبي على شاكلة تلفيق نظري حاول المزج بين أصول الدين الإسلامي و آلية النظم الدستورية الغربية و ما يلازمها من عناصر النهضة التعليمية والثقافية. ولم تكن محاولات التحديث إبان حكم محمد علي في مصر وأحمد باي في تونس خارج نموذج المحاكاة أو الإسعاف المتأخر كما في محاولات خيرالدين باشا في تونس.

  ليس من الهين محاصرة مقدمات محاولات العلمنة في سياق بحث التاريخ السياسي التونسي الحديث لتداخل عناصر العقلنة و محدودية التجارب الحاملة لها.

لكن المقاربة الموضوعية لإرهاصاتها الأولى تبرز خاصيتين :

1)         أنها كانت محاولات متأخرة مقارنة بحجم تراكمات الأزمة العامة التي استفحلت في أوسع قطاعات الاقتصاد و السياسة و تخلف البنى الاجتماعية و عدم تناسبها مع طبيعة مخططات الإصلاح.

2)         المفعول العكسي لهذه الإصلاحات التي كانت بمثابة المثير الإضافي للانهيار كما هو الحال في إصلاحات أحمد باي في مطلع القرن التاسع عشر في تونس.

و ترد محاولات علمنة النظام السياسي في تونس في القرن التاسع عشر إلى محورين:

_ التعليم

- التنظيم السياسي.

في مجال التعليم تعلقت الإصلاحات بتفريد مؤسسة التعليم الحديث عبر إنشاء الأكاديمية العسكرية في عهد أحمد باي والمعهد الصادقي في عهد خير الدين باشا و ذلك إيمانا منهم بأن الأخذ بناصية العلوم الحديثة و خاصة منها الرياضيات والهندسة و الفيزياء هو السبيل القويم للحاق بالأمم المتقدمة ولم يكن هذا التأسيس فاقدا للدلالة الإيديولوجية من جهة كونه يحدث حالة توازي مع نظام التعليم التقليدي الذي كانت جامعة الزيتونة عنوانه الأبرز.

ولقد شهد المجال السياسي تطورا غير منتظم خاصة سنة 1857 ( 10 ديسمبر) إعلان عهد الأمان تحت محمد باي ورد فيه بالخصوص ثلاثة قواعد أساسية :

- الأولى : تأكيد الأمان لسائر رعيتنا وسكان إيالتنا على اختلاف الأديان والألسنة والألوان في أبدانهم المكرمة و أموالهم المحرمة وأعراضهم المحترمة.

- الثانية : تساوي الناس في أصل قانون الأداء المرتب أو ما يترتب...

- الثالثة : التسوية بين المسلم و غيره من سكان الايالة في استحقاق الإنصاف..."

أما المحطة الثانية فمثلها إصدار دستور 1861 في عهد الصادق باي والذي يعد أول دستور يقيد الحكم السياسي في البلاد العربية والإسلامية.

  ويعتبر العديد من المختصين في حركة الإصلاح في العالم العربي أن تونس شهدت دفعا خاصا تحت حكم خير الدين باشا الذي عمل على إصلاح الإدارة وعقلنة أساليب التصرف المالي في صلب مؤسسات الدولة خاصة خلال توليه منصب الوزير الأكبر سنة 1873 لكن محاولات الإصلاح على اختلافها باءت بالفشل و كان انتصاب الحماية وإبرام معاهدة باردو في 12 ماي 1881 ومعاهدة المرسى في 08 جوان 1883 التأكيد التجريبي لفشل برامج الإصلاح.

 وفي سياق تنظير علاقة السياسي بالديني في مسار الحركة السياسية الوطنية وضمن إيديولوجيا دولة الاستقلال يمكن الإقرار بأن الدين كمؤسسة وكتعبير اجتماعي سياسي خضع لعملية تحجيم أفقدته أسسه السيادية لتحوله إلى أداة تديرها وتتحكم فيها القيادة السياسية ولعل هذه العلاقة موسومة بالمكيافيلية فالمسافة القائمة بين المجال السياسي والمعتقد الديني تسمح للسياسي بأن يوظف الفقه الديني لتشريع مواقفه و طروحاته متى أراد نيل تأييد أوسع الشرائح الاجتماعية وأن يتنصل من تلك الأحكام متى كانت مخالفة لمقتضيات الحكم أو التكتيك السياسي ويعيد هكذا طرح راهنية تعليم ماكيافال للأمير " على الأمير أن يبدو للشعب متدينا دون أن يكون بالفعل كذلك" ذلك أن مقتضيات الحكم تستوجب الظلم أحيانا وأن الأخلاق الدينية تمنعه.

  ويبدو أن التراث العربي الإسلامي يقدم نماذج مؤكدة لجدارة هذا الطرح من أبرزها وهن الخلافة تحت عثمان و متانتها تحت عبد الملك بن مروان ( العهد الأموي)، وتؤكد تصورات الحركة الوطنية أن الحزب الحر الدستوري قد تعامل مع المعطى الديني وفق المنوال المكيافيلي حيث تعاطى الزعيم الحبيب بورقيبة مع ما اصطلح على تسميته بمعركة التجنيس وبصفة بعدية من زاوية الطرح الديني فأكد لدى مقاربته لهذه المعركة أن الشعار الديني كان ضروريا لدرء مخاطر التطبيع الاجتماعي مع الاستعمار ( معركة التجنيس 1916).

  وفي سياق بحث العلاقة بين الفعل السياسي والمرجعية الدينية، تؤكد الباحثة آمال موسى في كتابها " بورقيبة و المسألة الدينية"... فإن تجربة الدولة التونسية تبدو من أكثر التجارب علمانية و من أكثرها جرأة في التعاطي مع المسألة الدينية، فبعد ثلاثة أشهر من إعلان الاستقلال الداخلي تم إعلان مجلة الأحوال الشخصية وإلغاء الوظائف التعليمية لجامع الزيتونة...

 ويبدو من خلال هذه الإجراءات أن السلطة الجديدة في دولة الاستقلال قد وضعت لنفسها مخططا لتقليص نفوذ المؤسسة الدينية، و يفسر الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة هذه الاجراءات بضرورات التقدم و الرقي الاجتماعيين حيث أردف سن مجلة الأحوال الشخصية بوضع برنامج وطني لتحديد النسل تحت عنوان " برنامج التنظيم العائلي" ويتعلق بالتثقيف الجنسي داخل المجتمع وبإرساء نظم خاصة بالتصبير والتعقيم و الإجهاض إلى غير ذلك... لغاية التحكم في الولادات والحد من النمو الديمغرافي في بلد يتميز بمحدودية موارده الطبيعية و بهشاشته الاقتصادية، والملاحظ أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية في تونس أكدت صواب هذه القرارات حتى وإن اتخذت أشكالا فوقية استبدادية يمكن أن نعتبرها صائبة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن تضحية بورقيبة بالمؤسسة الدينية قابله كسب صفوف النساء في المجتمع.

وفي سياق مقارنة مع التجربة المصرية يتمظهر الفارق بين الخيار البورقيبي والنهج الناصري الذي أحجم عن كل مواجهة مفتوحة مع المؤسسة الدينية الرسمية ( الأزهر) و اكتفى بضرب الحركات الدينية الراديكالية ( إعدام سيد قطب سنة 1966 ).

وتذهب بعض القراءات إلى القول بأن امتناع الضباط الأحرار في مصر عن خوض هذه المعركة مثل الأصل في التطورات اللاحقة خاصة في المستوى الديمغرافي.

وقد اتخذت العلمانية في تونس البورقيبية شكلا براغماتيا لعل من أبرز مظاهره ما عبر عنه ميشال كامو بالمراعاة الدائمة لشكلانية النظام الجمهوري :

تنظيم انتخابات 25 مارس 1956 – المجلس التأسيسي.

إعلان الجمهورية 25 جويلية 1957.

سن الدستور في 01 جوان 1959.

التنصيص في مستوى الفصل 8 من الدستور على حرية التنظيم وفق ما يقتضيه القانون.

أما المظهر الثاني فيتعلق بتشريع العلمانية عبر مفهوم الاجتهاد: فسن مجلة الأحوال الشخصية مر عبر طرح قضية "الاجتهاد مع نص قطعي" بصدد آية التعدد و يذكر لطفي حجي في كتابه " بورقيبة والإسلام" أن بورقيبة يلتقي مع الشيخ محمد عبده و الطاهر الحداد في رفض تعدد الزوجات.

" تبين الدراسة المقارنة بين رأي بورقيبة منع تعدد الزوجات و بين ما ذهب إليه الشيخ محمد عبده... إلى تطابق في النتائج والمنهج المتبع.."

  ويتضح من خلال هذا المجال أن العلمانية لدى بورقيبة لم تكن ترحيلا للمرجعية الدينية على الشاكلة الأتاتوركية أو اليسارية بل اتخذ شكل التشريع من داخل المنظومة الدينية أي تأويل يوظف عمق المشاعر الدينية لفائدة تحقيق المقاصد العقلانية لكن المظهر الأكثر وضوحا في السياسة العلمانية لبورقيبة كان بصدد مسألة الإفطار في رمضان و هي قضية أثارت جدلا كبيرا داخل المجتمع وفي الأوساط الدينية في المشرق لكن بورقيبة أكد في خطابه في 08 فيفري 1961 على أن " صومه فرض و ما يزال فرضا إلى ما لا نهاية له..."

 لكن اللافت في هذه الدعوة إلى الإفطار و التي جسدها شرب بورقيبة لكأس من العصير خلال خطاب في شهر رمضان أن السند لتشريع هذا الفعل هو الاجتهاد باعتماد القياس الشرعي ( دعوة الرسول الصحابة إلى الإفطار أثناء فتح مكة، الرخصة الشرعية، الإسلام دين عمل، خيرية الأمة تتطلب الخروج من التخلف).

لكن مفتاح هذا البحث الاجتهادي إنما يكمن في الأوضاع الخاصة بالمجتمع التونسي خلال خمسينات وستينات القرن الماضي والمتسم بالفقر و الجهل والتطور الفوضوي للنسل وانتشار الأمراض الوبائية فكانت التنمية في خطاب بورقيبة بمثابة الجهاد الأكبر الذي يستحق كل التضحيات.

ولم تكن المفاهيم البورقيبية مقبولة من التيار الديني المحافظ حيث كانت ردود التيار الوهابي شديدة و قاطعة تجاه بورقيبة الذي تعدى حدود الشرع في فهم عبد العزيز بن باز ( رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة).

ومن أهم الاختيارات التي مر بها الفكر العلماني لبورقيبة اتصلت بقضية المساواة في الإرث ( في خطاب 18 مارس 1974)حيث تعهد بورقيبة ( في خطاب 18 مارس 1974) بمراجعة نظام الإرث باعتبار أن المساواة بين الرجل و المرأة يلغي مبدأ أن الرجال قوامون على النساء و تبطل تبعا لذلك القاعدة الشرعية القاضية بأن حظ الذكر مثل حظ الأنثيين.

 ويبدو وضوح التمشي البورقيبي في مسألة العلاقة بين الحكم و الدين في قوله الوارد بنفس المرجع " ... فعلينا أن نتوخى طريق الاجتهاد في تحليلنا لهذه المسألة وأن نبادر بتطوير الأحكام التشريعية بحسب ما يقتضيه تطور المجتمع... ومن حق الحكام بوصفهم أمراء المؤمنين أن يطوروا الأحكام...".

  وفي سياق موازي و منذ منتصف السبعينات و مطلع الثمانينات برز مستجد سياسي وإيديولوجي تحت مسمى الاتجاه الإسلامي الذي تشكل على هامش أزمة الحكم تحت بورقيبة وفي سياق سد المنافذ أمام تطور تيارات اليسار الماركسي التي اتخذت من الجامعة و من فضاءات النخبة مساحة فعلها فكان المخطط الرسمي وبتأثير أمريكي واضح يهدف إلى تطوير هذا الاتجاه و تفعيل دوره على الواجهتين الثقافية والسياسية تحسبا من استفحال المؤثر اليساري خاصة مع اقتحام هذا الفصيل للنقابات وعجز السلطة على ضمان المعادلة بين السياسات الاقتصادية وشرط التنمية الاجتماعية( 26 جانفي 1978).

 والملاحظ أن التيار الديني شهد انتشاره الأول تحت غطاء لا سياسي وعبر مؤسسات كجمعية الحفاظ على القرآن الكريم ومجلة المعرفة وأفرز هذا التطور أزمة إدارة و تحكم في نموه لدى السلطة حيث أصدر الوزير الأول السابق محمد مزالي المنشور المعروف بمنشور 108 سنة 1981 لمنع ارتداء الزي الطائفي في المؤسسات الرسمية.

 وراوحت العلاقة بين السلطة و التيار الديني بين الانفراج و التصادم إلى حدود مطلع التسعينات من القرن الماضي إثر صعود الرئيس بن علي إلى السلطة والانتخابات التشريعية لسنة 1989 و يؤكد جل الدارسين للظاهرة الإسلامية في تونس أن هذا التنظيم قد شهد تقاطبا بين تيارين تيار ينزع إلى المواجهة و الحسم العنيف و تيار يغلب منهج الدعوة والحشد السياسي للتأييد،  في حين ترجح قراءات أخرى فرضية توزيع الأدوار بين نهج المواجهة و نهج المهادنة اعتبارا لعدم صدور أي بيان رسمي يدين باسم الحركة العنف و أساليب اختراق الأجهزة الأمنية. هذا و مثل تاريخ 06 نوفمبر 2008 منعطفا جديدا في علاقة السلطة بملف هذه الحركة حيث أصدر الرئيس بن علي عفوه عن آخر سجين ينتمي إليها.

ومن الضروري التنبيه إلى الإستراتيجية التي اتبعتها السلطة في مواجهة تأثير هذه الحركة و الأشكال الجديدة التي أفرزتها الثورة الإعلامية و المعلوماتية على هامشها و هي الخطة المعروفة بتجفيف الينابيع و التي راوحت بين التدخل على الواجهة الاجتماعية من خلال صندوق  26-26 الذي استهدف الشرائح و المناطق الأكثر حرمانا و نزلت هذه السياسات تحت غطاء نشر ثقافة التضامن بين الفئات والجهات من أجل إلحاق الأقل حظا بركب النمو الذي شهده المجتمع.

  و م يكن هذا التمشي مفصولا عن تحريك الملف الثقافي الذي وضع تحت عنوان مصالحة المجتمع مع هويته و أفضى إلى منح الترخيص القانوني إلى إذاعة دينية ( إذاعة الزيتونة) و يلاحظ في المقابل ضعف تأثير الجبهة العلمانية التي انحصر حضورها في بعض قطاعات النخبة المثقفة و الجمعيات الغير الحكومية وتراجعها على مستوى الأحزاب السياسية و يمثل الحزب الاجتماعي التحرري حالة شبه استثنائية من حيث رفعه لشعار اللائكية و مجاهرته به بالتوازي مع طرحه لقضية الأقليات كشعار مركزي جعل منه في طروحاته من أهم المعايير الواجب اعتمادها في الحكم على ديمقراطية النظام السياسي و شدد على ضرورة حماية الحقوق الشرعية للأقليات و تقديس حرية الضمير و المعتقد داخل الفضاء الاجتماعي وعلى مختلف الواجهات اعتبارا لكون علمانية الدولة في تونس منذ الاستقلال بقيت منقوصة على الرغم من أهمية النهج التحديثي الذي تحقق و الذي بقي مع ذلك محدودا بالفصل الأول من الدستور الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة والذي يمثل في قراءة الحزب الاجتماعي التحرري مأزق كل الأنظمة العربية في مواجهتها للتيارات الدينية لما يحمله هذا الإقرار من مناقضة واضحة لمصادر التشريع لذلك يعتبر الحزب الاجتماعي التحرري أن الديمقراطية في العالم العربي لن تكون مكتملة إلا بمجاوزة انتصار الدولة لدين الأغلبية لتكون الدولة محايدة تجاه المعتقدات و الأديان و الأعراق والهويات مهما كانت طبيعتها و مهما كانت الشرعيات التي تستند إليها.

 

 

 

 

آخر تحديث: الجمعة, 05 يونيو 2009 16:07